الحياة

كتب الكترونية, مواضيع عامة, رياضية, ترفهية, ثقافية

المواضيع الأخيرة

» نص كلمة ماهر سامى بأداء يمين السيسي
الأحد يونيو 08, 2014 12:52 pm من طرف Admin

» مشروع مربح من تايجر باك
الخميس فبراير 27, 2014 2:13 pm من طرف تايجر باك

»  ملف كامل لتدوير المخلفات
الخميس أغسطس 02, 2012 3:23 am من طرف Admin

» اخبار الحمقى والمغفيلين لابن الجوزى
الإثنين يوليو 09, 2012 12:23 am من طرف Admin

» مقامات بديع الزمان الهمذاني
الإثنين يوليو 09, 2012 12:21 am من طرف Admin

» الخيميائي لباولو كويلو
الإثنين يوليو 09, 2012 12:20 am من طرف Admin

» أشهر جاسوسة عربية للموساد
الإثنين يوليو 09, 2012 12:19 am من طرف Admin

»  the studay of chemical reactions
الإثنين يوليو 09, 2012 12:19 am من طرف Admin

»  stereochemistry
الإثنين يوليو 09, 2012 12:17 am من طرف Admin

التبادل الاعلاني

    عرض كتاب اللاهوت العربى واصول العنف الدينى

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 181
    نقاط: 510
    تاريخ التسجيل: 06/03/2010

    عرض كتاب اللاهوت العربى واصول العنف الدينى

    مُساهمة من طرف Admin في الخميس مارس 11, 2010 12:01 am

    [size=18]مؤلف الكتاب د-يوسف زيدان

    يصل بنا كتاب اللاهوت العربى إلى محطته الثالثة ليبدأ فى قراءة الإسلام ونزول القرآن، كتابا عربياً بلغة مبينة، فى شبه الجزيرة العربية. ليؤكد د. يوسف زيدان مؤلف الكتاب أن القرآن ومنذ اللحظة الأولى لنزوله كان مشتبكاً مع واقع المجتمع الذى نزل عليه. يتحدث بلغتهم، ويستخدم بلاغتهم، ويحدثهم عن أحداث وقعت لهم ولغيرهم من الأمم.

    فيحكى محاولة أبرهة ملك الحبشة هدم الكعبة وكيف انتقمت السماء منه «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل»، ويقص عليهم تفاصيل حياتهم ومعيشتهم «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف» ويروى لهم ما حدث بين القوتين العظميين فى العالم وقتها مبشرا بانتصار المهزوم: «غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فى بضع سنين»، ويحذرهم مغبة ارتكاب عادات محرمة من السماء: «وإذا الموءدة سئلت بأى ذنب قتلت».

    ليس هذا فحسب بل إن القرآن الذى بدا منذ اللحظة الأولى لنزوله مشتبكاً مع ما فى البيئة العربية من وقائع، وما فى العقلية البدوية من سمات، يتواصل فى نزول آياته ويخصص جزءاً مهماً منها للقصص القرآنى وحياة الرسل والأنبياء، فى سور «مريم» و«هود» و«يوسف» و«إبراهيم» و«لقمان» و«يونس»،

    كما قدم عبر آياته القرآنية فى سور أخرى قصص معظم أنبياء التوراة بشكل يمكننا من القول بأنه أعاد بناء الشخصيات النبوية فى القرآن بما يناسب مكانتهم وبما لا تستنتج منه صفات إلهية كتلك التى يمكن استنباطها من القصص التوراتية، وبلغة قرآنية راقية تأخذ القارئ أو المستمع لها إلى حضرة علوية لا يشوبها لفظ ردىء ولا معنى غير لائق بالله وأنبيائه. «فآدم» هو الإنسان الذى أخطأ بعصيان أوامر الله، ثم تاب عن معصيته بمساعدة الله، وهو ما يعلق د. زيدان عليه بالقول: مع هذا الطرح القرآنى لآدم لم يعد هناك مبرر لأن سخط الله على عباده من البشر الذين لم يشهدوا الخلق الأول، فآدم أخطأ وتاب وليس من العدل أن ترث ذريته خطيئته أو أن تحاسب عليها، فالآية صريحة: «ولا تزر وازرة وزر أخرى».

    كما أن النبى إبراهيم فى القرآن ليس كما حكت عنه التوراة، فالقرآن يذكره مشدداً على قيمته فى تاريخ البشرية الدينى، فيقول عنه فى سورة النحل: «إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين»، ويقول عنه فى سورة آل عمران: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين» فالقرآن ينفى أن يكون أبو الأنبياء من اليهود أو من النصارى مؤكداً: «إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا».

    حتى عندما روى القرآن غواية امرأة العزيز للنبى يوسف بن يعقوب، جاءت الصيغة وقورة بعيدة عن فجاجة الوصف: «وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله». وهو أمر طبيعى يفرق بين البلاغة الإلهية وبين اللسان البشرى. وهكذا يقدم القرآن الإسلام باعتباره الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسبب أنه هو اليقين الموحى من رب العالمين، وليس اجتهاداً جاء نتيجة فكر المتفكرين».

    وكما حلت المسيحية إشكالية صفات الله فى اليهودية، جاء القرآن ليتجلى الله فيه وبقوة بدءا من: «بسم الله الرحمن الرحيم» مروراً بالآيات المخبرة عن حضرته العليا التى لا مثيل لها: «قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد»، و «مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح فى زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب درى، يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم».

    وهو ما يعلق عليه دكتور زيدان بالقول: «سطع الله بقوة فى القرآن حتى لا يكاد اسمه يغيب عن سطر واحد ولا يكاد حضوره يفارق أى معنى من المعانى القرآنية، وبذلك عاد اللاهوت إلى صدارة المعتقد الدينى وتوارى الناسوت حتى ما كان منه نبوياً. تراجع الناسوت من روح الإسلام لصالح السطوع اللاهوتى لرب العالمين الذى تكرر ورود اسمه فى القرآن 2699 مرة، هذا غير المرات التى ورد فيها ذكره عبر صفاته الإلهية، كالقدير والعليم والسميع والجبار والقادر والباسط والخافض والرافع وغيرها من الصفات، كان الله هو المهيمن على الخطاب القرآنى».

    وتجىء لحظة الفصل الإلهى فى الخلافات المسيحية-المسيحية حول حقيقة طبيعة السيد المسيح عليه السلام، لا من باب التعالى أو التقليل من شأن المسيحية ولكن من باب التأكيد على حقيقة سردها المؤلف منذ سطور الكتاب الأولى ألا وهى أن الأديان الرسالية الثلاثة ذات جوهر واحد، فالقرآن أعاد بناء الكثير من المفاهيم المتعلقة بتلك القضية، ثم أعاد طرحها مرة أخرى بأسلوب جدلى لا جدالى، على حد وصف دكتور يوسف زيدان، فكان المنطق المتصاعد للأحداث ينتهى بالعقل لتقبل النتائج المرتبطة بالمقدمات، متناسق فى ذلك مع ذاته حيث قدم نفسه للناس كوحى إلهى لا نقص فيه، إما أن تأخذه كله وتؤمن به، أو تتركه كله. وفى هذا يقول دكتور يوسف زيدان: «لا يجوز مع القرآن أن نؤمن بشىء فيه دون شىء آخر،

    ولذا استنكرت الآية الخامسة والثمانون من سورة البقرة تبعيض القرآن، بقوله تعالى: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون» ولذا فعندما بدأ الحديث القرآنى عن المسيح لم يذكر إلا مقترناً باسم أمه ما عدا فى ثلاث مواضع من بينها: «وقالت النصارى المسيح ابن الله» أما العذراء مريم فقد ورد ذكرها 34 مرة فى القرآن وخصص الله لها سورة بديعة تحمل اسمها، وسورة أخرى تحمل اسم أسرتها «آل عمران».

    بينما لم تخصص سورة تحمل اسم المسيح. ومريم القرآنية ليست أم الإله، وليست أم النور الحقيقى، ولكنها قديسة صديقة وهبتها أمها لله قبل حتى أن تضعها، وهذه القديسة أحصنت فرجها فأرسل الله لها الروح القدس أو الروح الأمين الملاك «جبريل» على هيئة بشرية، كتلك التى كان يهبط بها على النبى محمد، ليوصل لها النفخة الإلهية الخالقة، فحملت بالمسيح. هكذا وببساطة أبعد القرآن تماماً أية شبهة للاتصال المباشر بين الله والإنسان».

    ويعرض الدكتور يوسف زيدان عبر اللاهوت العربى بعض الآيات القرآنية التى تصف العلاقة بين الله الخالق المنزه عن كل نقص، وبين نبيه ورسوله المسيح عيسى بن مريم وكيف صار خلقاً ليكون هبة الله لمريم العذراء مثلما كان يمنحها الرزق الذى كان يثير حيرة النبى زكريا زوج خالتها: «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله»، ويرشدها لكيفية الحصول على ما يسند ضعفها هى ووليدها «وهزى إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً.» وبعد سرد كل الوقائع الخاصة بمعجزة ميلاد المسيح يأتى القول الفصل فيه وفى كينونته «ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد، سبحانه» وفى موضع آخر من سورة المائدة يحمل صيغة العتاب الإلهى للرسول يقول تعالى: «وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم».

    لم تكن طبيعة المسيح وحقيقة كينونته فقط ما حسمها القرآن الإسلامى، ولكن تعلق الحسم بجزء آخر هو «الأمانة» التى أخرجها عن معناها الاصطلاحى المسيحى، وجعلها أمراً إنسانيا عاماً يرتبط بالإدراك السليم، فكانت مرادفاً للعقل فقال الله فى قرآنه «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً».

    وبتلك الجزئية يمهد الدكتور زيدان الحديث للحديث عن الكلام الإلهى «القرآن» فيقول: «هو مطلق أكد الله فيه على ثلاث حقائق أولاها أنه باللغة العربية مشيراً لذلك فى أكثر من موضع منها «قرآناً عربياً غير ذى عوج» و«إنا أنزلناه قرآناً عربياً» و«وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً»، وقد حاجج الله عباده بلطف فى أمر اللغة التى نزل بها القرآن فقال فى الآية 44 من سورة فصلت:«ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته، أعجمى وعربى، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء وللذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمىً أولئك ينادون من مكان بعيد.» والآيات الأخيرة تشير إلى الحقيقتين الأخيرتين وهما سمع المؤمنين الذين يتلى عليهم القرآن فيهدى قلوبهم، والأخرى أولئك الذين ينادون من مكان بعيد أى أنهم غير مؤمنين».

    بعد ذلك يحلل دكتور زيدان كيف توافق الإسلام مع العقلية البراجماتية العربية التى لا تعنى بالواقع فمدهم القرآن فى آياته المدنية بنظام لحياتهم وزاد الأمر فتحول الدين على يدهم إلى راية يحاربون تحتها من أجل تأسيس الدولة، وتوسعة حدودها ومن هنا جاء الأمر القرآنى «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.» و«واقتلوهم حيث ثقفتموهم».

    وقاتل المسلمون المشركين حتى خلت منهم جزيرة العرب وصارت عن بكرة أبيها أرضاً إسلامية. ومع الفتوحات الإسلامية للمناطق التى كانت تعيش فيها المذاهب المسيحية الأرثوذكسية والآريوسية والنسطورية انتقل القرآن إلى غير الناطقين به، الذين ينادون من مكان بعيد، لينشأ فى نفس المنطقة التى ظهر فيها اللاهوت العربى المسيحى، علم الكلام الإسلامى.

    هنا يبدأ الفصل السادس للاهوت العربى، معنوناً باسم «كلام الإسلام» يوضح فيه دكتور يوسف زيدان ماهية هذا العلم وطبيعته وكيف أن العلماء منحوه أكثر من توصيف زادت من تعقيد دراسته، حيث يسمى فى التراث العربى الإسلامى الفقه الأكبر، وأصول الدين، وعلم العقيدة، وعلم التوحيد.

    ورغم كونه واحداً فى مضمونه إلا أن دارسى الفلسفة فى كليات الآداب يطلقون عليه «علم الكلام» بينما يطلق عليه الأزهريون «أصول الدين». وقد ظهرت بدايات هذا العلم فى القرن الأول الهجرى عقب انتشار الإسلام واستقراره فى البلاد التى تم فتحها، وكانت كل أسمائه مشتقة من أن القرآن كلام الله وأن المشتغلين بهذا العلم هم المهتمون بمفهوم النص القرآنى أى المتكلمون فى العقيدة المدافعون عن التوحيد وأصول الدين ضد الانحرافات العقائدية. وقد عرفه الفيلسوف الفارابى بأنه صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التى صرح بها واضع الملة وتزييف كل ما خالفها.

    وكثرت تعريفات علم الكلام لدى علماء المسلمين واشتهر عدد منها مثل تعريف ابن خلدون الذى قال: هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المنحرفين فى الاعتقادات. إلا أن دكتور يوسف زيدان يميل لتعريف الإمام محمد عبده الذى يقول فيه: «هو علم يبحث عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات وما يجوز أن يوصف به وما يجب أن يُنفى عنه». ويبرر دكتور زيدان ذلك التحيز بالقول: «تعريف الإمام محمد عبده عبقرى لأنه عاد بهذا العلم إلى منابعه الأولى وعرفه بأولى المفاهيم التى انطلقت منه والمرتبطة بالصفات الإلهية».

    ثم ينقل بك الحديث إلى أشهر فرق المتكلمين وهما المعتزلة والأشاعرة، اللذان ذاع صيتهما لوضوح مذهبهما وكثرة المشتغلين بالاعتزال والأشعرية. إلا أن البداية الدرامية لهذين المذهبين، قد تكون سبباً فى شهرتهما كما يقول دكتور زيدان.

    حيث بدأت المعتزلة حينما دخل رجل على مجلس الإمام الحسن البصرى يسأله فى صحة ما يدعيه الخوارج من تكفير مرتكب الكبيرة، ليندفع العالم واصل بن عطاء أحد تلاميذ البصرى للرد على سؤال الرجل مؤكداً أن مرتكب الكبيرة لا هو كافر ولا هو مؤمن بل فى منزلة بين المنزلتين، ثم قام ابن عطاء وجلس فى أحد أركان المسجد والتف حوله بعض القوم يستزيدون الفهم منه، فقال البصرى «اعتزلنا واصل وأصحابه» فسموا لذلك «المعتزلة ولينتشر مذهب المعتزلة العقلانى حتى مجىء أبى الحسن الأشعرى مؤسس الأشاعرة.

    وتقول قصته إنه كان تلميذا «للجبائى» أحد كبار علماء المعتزلة. وفى أحد الأيام جاء رجل يسأل الجبائى عن حكم إخوة ثلاثة فى الآخرة مات أحدهم مؤمناً ومات الثانى كافرا ومات الثالث طفلاً صغيراً، فقال الجبائى بدخول المؤمن الجنة ودخول الكافر النار بينما الطفل الصغير إلى عدم، لا يدخل الجنة ولا يدخل النار.

    فسأل الأشعرى شيخه وماذا لو قال الطفل لله ماذا لو تركتنى حيا فى الأرض، كنت قد اكتسبت ثوابا أدخل به الجنة، فقال الجبائى سيقول له الله إنه لو كان قد تركه لكان اقترف ذنوبا استحق معها دخول النار، وقد رحمه بموته صغيراً. فرد الأشعرى أنه ساعتها سيقول الأخ الذى دخل النار لربه، ولماذا يا رب لم تمتنى صغيراً وترحمنى من اقتراف الذنوب التى دخلت بسببها النار مثلما فعلت مع أخى.

    فلم يجد الجبائى إجابة واحتقن وجهه ووصف الأشعرى بأنه مجنون، هنا خرج الأشعرى من المجلس وصاح على باب المسجد معلناً توبته عن المعتزلة ونيته الرد على مذهبهم وفضح معايبهم. وصاغ الأشعرى مذهبه الكلامى ليكون وسطاً بين الإفراط فى التأويل العقلى لدى المعتزلة، وبين قبول النص الدينى بحرفيته مثلما فعل أصحاب الاتجاهات المضادة لمذهب الاعتزال.

    ويقف الدكتور زيدان هنا وقفة مع قرائه يؤكد فيها أنه قبل المعتزلة والأشاعرة كان هناك بدايات لعلم الكلام فى نفس المنطقة التى ظهر فيها اللاهوت العربى المسيحى. وأن هؤلاء البادئين كانوا بمثابة آباء الكلام بل أنه يحدد أربعة منهم استكملوا الطريق الذى بدأه أسلافهم المسيحيون فظهر معهم وبهم علم الكلام الذى يراه زيدان امتداداً طبيعيا لما يطلق عليه اللاهوت العربى.

    وهم «معبد الجهنى» الذى عاش بالبصرة وتوفى سنة 80 هجرية، وكان من الرواة الثقاة للحديث النبوى، وشارك فى الأحداث السياسية والثورات التى هاجت فى عصره. وقد دارت «هرطقته» أو بدعته حول نقطة واحدة هى نفى القول بالقدر، ورغم ذلك سمى مذهبه بالقدرية على عكس دلالته. وقد كان معبد يخالف المذهب الجبرى الذى عمل الأمويون على تعميمه بين الناس ليبدو حكمهم من الله وأن الإنسان ليس بيده شيء.

    ولذا قال الجهنى: «لا قدر والأمر أُنف». أى أن السلطان مفروض بسطوة الحكام ولا شأن لذلك بالقضاء والقدر الإلهيين، فالمفروض على الناس فرضه آخرون. الطريف هو ما يقوله المؤرخون ويؤكد مرة أخرى حديث دكتور زيدان عن الجذور الواحدة لكل الأديان، وهى أن أستاذ جهنى كان نصرانيا يدعى «سوسر» وكان أول من تكلم فى القدر. ثم يأتى الحديث عن غيلان الدمشقى الذى عاش فى القرن الأول بدمشق واشتهر بصلاحه وورعه وتقواه فعهد له الخليفة عمر بن عبدالعزيز بتصفية أموال الظالمين من أقاربه.

    وكانت بدعة الدمشقى فى وقته أنه أعلن أن الإنسان مختار وأنه سيحاسب على اختياره وهو الأمر الذى توسع فيه المعتزلة فيما بعد وتحول لنظرية الحرية الإنسانية التى ناقضت تماماً مبدأ الجبرية، وقد خالف عمر بن عبد العزيز آراء صديقه، وزاد الأمر فقتله الخليفة هشام بن عبد الملك. وتمادى بعض مؤرخى علم الكلام فى رفض فكر الدمشقى فرووا حديثاً نبويا يذكر غيلان الدمشقى بالاسم ويقرنه بالشيطان الرجيم. ويجيء الجعد بن درهم فى الترتيب الثالث فى قائمة علماء الكلام الأربعة، عاش بالشام وعمل مؤدباً لأبناء الخلفاء. وكان فكره أن الله منزه عن صفات الحدوث، كما كان ينكر بعض الصفات الإلهية ومنها الكلام، فرفض القول القرآنى أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وأنه كلم موسى لأن ذلك لا يجوز على الله.

    أما الجهم بن صفوان فهو آخر وأخطر الآباء الأربعة كما يقول دكتور زيدان، الذى توفى فى عام 128 هجرية ويعتبر مؤسس حركة الاعتزال وكان يؤمن بخلق القرآن لا نزوله على مراحل، وينزه الله من الصفات ويقول إن الله فى كل الأمكنة. وقد أخرجه علماء الإسلام مع من اتبع مذهبه من الإسلام.

    ويعلق الدكتور زيدان على مصير هؤلاء العلماء الأربعة بالقول: «هل كان قول هؤلاء الآباء الأربعة الذى صرحوا به فى القرن الأول الهجرى سببا لما رأيناه من السلف والحكام الأمويين نحوهم؟ أم أن الناس وقتها استشعروا منهم خطراً ونقلة غريبة من الموروث المسيحى السابق، فكان القمع؟ الحقيقة أن هؤلاء العلماء ارتبطوا بالتراث المسيحى العربى السابق عليهم فى تلك المنطقة عن طريق الأساتذة الذين تلقوا عنهم البدع والهرطقات.

    فأفزعت علماء المسلمين وبخاصة من أهل السنة، كما أفزعت رجال الكنيسة الأرثوذكسية من قبل. حتى إن آباء الكلام لقوا مصائر مفزعة تذكرنا بعصر الشهداء ومعاناة آباء الكنيسة الأوائل.

    والحقيقة أن الإرهاصات الأولى لعلم الكلام لم تكن بمثابة خروج عن روح الإسلام، بقدر ما كانت دخولا فى التراث العربى اللاهوتى الذى لم يكن يتحدث العربية من قبل، ثم نطق بها مع الآباء الأربعة». وهكذا يختتم دكتور يوسف زيدان مبحثه فى اللاهوت العربى بفصل علم الكلام إلا أنه وكما بدأ بمقدمة تجبرك على قراءتها، اختتم الحديث بخاتمة المقال الذى زاد عليه من الحقائق... حقائق نعرفها غداً فى الحلقة الرابعة والأخيرة.
    [/size]

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 181
    نقاط: 510
    تاريخ التسجيل: 06/03/2010

    كثير من الفكر كثير من الجدل

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء مارس 10, 2010 11:09 pm

    ها هو يخطو خطوته الثانية فى عالم التنقيب فى تاريخ الديانات، مصرا على توضيح ما خفى منها بوثائق هو العالم بها، دون خوف من تكرار الجدل أو عودة الهجوم عليه. وإذا كان فى المرة الأولى نجح فى شحذ عقول البعض للعودة للتاريخ وقراءته بصورة مختلفة، وسن ألسن البعض الآخر للرد عليه فى حملة زادت من مبيعات روايته «عزازيل» التى صارت من أكثر الأعمال الأدبية العربية انتشاراً لتطبع خلال عام ونصف فقط 16 طبعة، منحته بعدها جائزة البوكر فى نسختها العربية للعام 2009،

    فإن د. يوسف زيدان بكتابه «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» الذى يستعد لطرحه فى الثالث والعشرين من شهر ديسمبر الجارى عبر دار نشر الشروق، يعرف يقيناً حجم ما ينتظره، ليس فقط من مسيحيى مصر الذين يحبون إطلاق لفظ «الأقباط» عليهم رغم تأكيده خطأ معناه الذى يعنى المصريين مهما كانت ديانتهم، حسب اللغة الهيروغليفية القديمة، ولكن من المسلمين واليهود أيضاً الذين يخوض د. زيدان بالبحث فى تاريخ ديانتيهم ليصبح ذلك اللاهوت حالة، يحاول بها مؤلفه تحريك عقول القراء ومنحها قدراً كبيرا من المعلومات التاريخية والتراثية، لا لتغيير معتقداتهم ولا درجة تقديسهم لما يؤمنون به، بل لكى يعيدوا التفكير فى مسلمات لم يمنحوا أنفسهم فرصة التفكير بها، وليعلموا أن الله واحد وأن الديانات الرسالية الثلاث ذات أصل واحد.

    أهم ما يلفت النظر فى كتاب اللاهوت العربى هو منطقية العرض التى صاحبت صياغة الأفكار، فصاحبه لا يتحدث عن قناعة لديه إلا وأتبعها بما يدلل عليها، بشكل يمنح القارئ القدرة على التدبر فى سطور الكتاب حتى لو اختلف مع كاتبه فيه.

    يتحدث عن رفضه توصيف الديانات الثلاث بـ«السماوية» ويسوق مبرره.. يرفض ما يقال عن إسلامية علم مقارنة الأديان، ذاكراً الأسباب، يؤمن بعد صحة المقارنة بين الديانات الثلاث بل دراسة ما يجمع بينها، مؤكداً أنها ما هى إلا ثلاثة تجليات لجوهر دينى واحد. وفى سياق كل هذا يطرح العديد من الرؤى الجديرة بالتأمل، من بينها على سبيل المثال عدم جدوى دراسة التراث الإسلامى أو المسيحى أو اليهودى بمعزل عما سبقها من تراث فى أزمنة سابقة كانت بمثابة مقدمة لها.

    ونأتى للمضمون فنجد أن كتاب اللاهوت العربى يتضمن مقدمة قال د. زيدان إنها اشتملت على تمهيدات ضرورية، وستة فصول، وخاتمة فيها خلاصة ما تمت مناقشته فى الكتاب.

    «مقدمة لابد منها»

    من الممكن فى كثير من الأحيان لنا كقراء، تجاوز مقدمات الكتب على أساس أنها لا تحتوى فى الغالب إلا على بعض الأفكار الخاصة بالكاتب، أو بمن صدر لكتابه ورؤيته وما يجيش فى نفسه عن الكتاب. إلا أن مقدمة كتاب د. يوسف زيدان لا تمنحك ذلك الخيار، لتضمنها الكثير من الحقائق الخاصة بالديانات الثلاث،

    وكيف أن مصطلح «اللاهوت العربى» الذى يطرحه المؤلف للمرة الأولى يتضمن نقاطاً مفصلية مهمة ومهملة، تجمع بين تراث الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام. شارحاً وجهة نظره من خلال طرح عدد من الأقوال، تبدأ بفكرة نرددها جميعا أصحاب الديانات الثلاث دون أن يكون لها أساس تستند عليه، ألا وهى «سماوية الدين»، فيقول إننا نطلق على تلك الأديان الثلاث وصف «سماوى» على الرغم من عدم لجوء علماء كل دين لاستخدام ذلك الوصف لا فى البدايات ولا فى الأواخر، لأن كل دين هو بالضرورة سماوى لغة واصطلاحا. وهو ما يفسره د. زيدان بالقول: «أصل كلمة سماء فى اللغة، هو العلو، ولا يقع معناه على شىء ملموس محدد وإنما على أى سقف مهما كان حتى لو كان سقف حجرة.

    والتعبير الأدق أنها ديانات (رسالية) أتت للناس برسالة من السماء عبر رسول من الله أو نبى يدعو له، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد للكثير من التعبيرات الأخرى، ومن بينها صفة (الوثنية) التى ألحقتها المسيحية بالديانات الأخرى التى تحتفى بالأصنام أو الأوثان، رغم أنه لا يشترط أن تكون كل الديانات التى تحتفى بالتماثيل وثنية، كالبوذية مثلاً التى تحتفى بأصنام بوذا ولكنها لا تقدسه للتعبد، ولا ترى فيه صورة حجرية للإله. والدليل عدم غضب البوذيين من إصرار حركة طالبان على تدمير تمثالى بوذا فى (باميان) منذ عدة سنوات».

    وينتقل بك د. يوسف زيدان للتعريف الثانى فى مقدمته، والذى يؤكد فيه على الجذور الواحدة للديانات الثلاث، مدللاً على ذلك بأن إبراهيم، أو إبرام، هو أبوالأنبياء فى الإسلام فهو والد النبى إسماعيل جد النبى محمد، وهو جد المسيح ابن داود فى المسيحية، كما أنه أبوالأنبياء اليهود جميعاً. وأن الاختلافات التشريعية بين الديانات الثلاث ما هى إلا نتاج خلاف الزمن بينما الجوهر واحد، رغم اعتراف الدين اللاحق بما سبقه وتنكر الدين السابق بما لحقه. فمهما كان موقف المسيحيين الغاضب من اليهود الذين قدموا المسيح إلى بيلاطيس البنطى لقتله، حسب رواية الأناجيل، ومهما كان موقف الإسلام المدين لليهود لتحريفهم كلام الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، فإن كلتا الديانتين اعترفت باليهودية، بينما لم تعترف اليهودية بهما.

    ونأتى للتعريف الثالث فى مقدمة «اللاهوت العربى»، الذى قد يغضب بعض المسلمين، حيث يفند هذا التعريف علم مقارنة الأديان، المختص بمقارنة المفاهيم فى الأديان، كقضية الألوهية على سبيل المثال، مؤكداً عدم صحة الزعم الإسلامى بامتلاك هذا العلم، نافياً ما يقال عن تقديم علماء المسلمين الأوائل لهذا العلم بالمعنى المتعارف عليه. ما عدا ما قدمه أبوالريحان البيرونى والإيرانشهرى مغمور، باعتبار أنهما قدما تأريخاً جيداً للعقائد أو مقاربة للأديان.

    بينما ما جاء فى تراث ابن حزم والشهرستانى والمسبحى وغيرهم، لا يعد إلا وصفاً عاماً لعقائد الفرق والجماعات الإسلامية وغير الإسلامية، كما أن هؤلاء المؤرخين كانوا مسلمين ينتمون لمذاهب دينية معروفة، وليس من السهل أن يتسم صاحب الدين بحيادية تامة تجعله ينصف أدياناً أخرى مخالفة لما هو عليه - كما يقول د. يوسف زيدان - ليس هذا فحسب، بل إن علم مقارنة الأديان فى الإسلام اعتمد على إبراز محاسن الإسلام وتفوقه على ما عداه من الديانتين الأخريين، وهو ما يتعجب منه د. زيدان بالقول: «ماذا لو كان الذى قارن بين الأديان غير مسلم؟ وهل يرى غير المسلم الإسلام إلا كما يرى المسلم الديانات الأخرى؟

    وما الفارق بين علم مقارنة الأديان المزعوم، وعلم اللاهوت الدفاعى فى المسيحية؟ ولهذا كله لا أهتم بمضمون ذلك التخصص المسمى بعلم مقارنة الأديان، بل إننى على قناعة تامة بعدم صحة المقارنة بين الأديان الرسالية الإبراهيمية، والأصح المقاربة بينها، فالمتصل التراثى من اليهودية للإسلام يشهد على توالى الاتصال بين الديانات الثلاث، وإن كان لابد من مقارنة فليكن بين تلك الديانات وغيرها مما سبق عليها لأن هناك خلافا فى الجوهر، كالمقارنة على سبيل المثال بين الإسلام وإحدى ديانات الهند، أو بين اليهودية والديانة المصرية القديمة».

    ثم تأخذنا المقدمة لجزئية الفرضيات الأساسية ومن بينها أن التراث الإسلامى لا يمكن فهمه من غير التعمق فى الأصول العميقة له والأسبق زمناً عليه، فهى مقدمات له وهو امتداد لها، وهو ما ينطبق على المسيحية واليهودية.

    ثم يطرح د. زيدان فرضية أخرى مفادها أنه ليس بالضرورة تأثير الأسبق زمناً فى الأحدث منه بل يمكن العكس. فيؤثر اللاحق فى السابق حين يتعاصران، مثلما أثرت الأفلاطونية المحدثة فى التراث اليهودى الأسبق منها ظهوراً من خلال شرح فيلون السكندرى للتوراة وتأويله لنصوص العهد القديم، وهى التأويلات التى صارت مع الزمن تراثاً يهودياً.

    ويطرح د. زيدان مثلاً آخر أشد وضوحاً بقوله: «لقد استكملت المنظومة الدينية اليهودية لذاتها اعتماداً على الديانتين التاليتين عليها (المسيحية والإسلام) بإدخال فكرة البعث أو القيامة وما يتعلق بها من أخرويات، وهو ما قد خلت منه النصوص اليهودية المبكرة (التوراة وأسفار الأنبياء الكبار) وتم إدخالها فى النصوص اليهودية المتأخرة (كالمشناة والجمارا اللذين يؤلفان معاً التلمود) ومن هنا صارت عقيدة البعث جزءاً رئيسياً من الديانة اليهودية».

    ويخرج د. زيدان من تلك الحقيقة بفكرة التفاعل بين الديانات الثلاث الذى لم يقتصر على التعاقب الزمنى كما يقول، بل تعداه للتعمق فى أصل كل دين منها، وإلى عمليات جدلية تؤكد حقيقة الجوهر الواحد لتلك الديانات الثلاث.

    ثم يتناول الفرضية الأخيرة فى جزء الفرضيات والمتعلقة باختلاف اللغات التى تعبر عن المفاهيم الدينية بشكل يوحى للبعض باختلاف المعنى، وهو ما ينفيه د. زيدان مؤكداً أن المعنى المراد واحد، مثلما الحال فى يسوع الذى هو عيسى، ويوحنا المعمدان الذى هو يحيى بن زكريا والعذراء القديسة التى هى الصديقة مريم ابنة عمران. وهنا يتحدث عن تدخل الدوائر بين الديانات الثلاث، لتكون التراثيات المتزامنة متفاوتة المساحة بحسب ما أعطاه هذا التراث أو ذاك لأهل زمانه. لتتماس تلك الدوائر أو تتداخل وفقاً للظروف.

    وهو ما يوضحه الكتاب بعرض رسم لثلاث دوائر متداخلة، تتماس اثنتان منها فتعبران عن المسيحية والإسلام، وتتداخل بينهما الثالثة وتعبر عن العروبة التى عاشت - كما يقول المؤلف - مرحلتين، أولهما مطمورة يعنى بها الزمن السابق على الإسلام والمعروف خطأً بالعصر الجاهلى، وثانيهما مشهورة تعبر عن حياة العرب مع مجىء الإسلام.

    يقول د. يوسف زيدان: «المنطقة المتداخلة فى الدائرتين المعبرتين عن المسيحية والإسلام، يعبر الجزء الأصغر منها عن المنطقة التراثية الحافلة التى ينتمى لها اللاهوت العربى، بينما يعبر الجزء الأكبر فيها عن امتزاج العروبة بالإسلام، ويبقى جزء من الإسلام تأثر بمؤثرات أخرى غير العروبة، من بينها المشاركة الفارسية التى ساهمت فى صياغة مفردات الحضارة الإسلامية التى تحولت لظاهرة اتسعت لغير العرب على اختلاف ديانتهم التى احتفظوا بها كالفرس والقبط والترك».

    وتأخذك المقدمة بعد ذلك للحديث عن ضبط المفردات التى يؤكد وجوب التعمق فى دلالاتها لضبطها وتحديدها لتلافى الغموض أو سوء الفهم. كتلك الصيغ التى تكتب بها أسماء المشاهير والأعلام، منهم الأسقف نسطور (المرعشلى) الذى ولد بقرية مرعش قرب حلب، والأسقف تيودور، الذى يشار له أحيانا باسم ثيودوروس الموبسويستى، وأحياناً أخرى باسم «تيودور المصيصى».

    إلى جانب تسميات المراتب والألقاب الكنسية. وهناك أيضاً الخلط بين الروم والرومان، فالروم هى التسمية العربية لأهل الإمبراطورية البيزنطية المسيحية التى ورثت مجد روما، وكانت عاصمتها بيزنطة المعروفة باسم القسطنطينية وهى عند المسلمين الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، بينما الرومان هم أصحاب الإمبراطورية الشهيرة فى روما.

    ثم يعرج كاتب اللاهوت العربى لمسمى كتابه بالقول إن المسيحية لم تعرف اللاهوت قط إلا من خلال بعض المحاولات التى أرادت الانتقال بالفكر الدينى المسيحى من الاشتغال بحقيقة المسيح للانشغال بالذات الإلهية. وهى المحاولات التى رفضتها الكنيسة الأرثوذكسية فسمتها «هرطقات» أى مذاهب دينية منحرفة عن الإيمان القويم. ويشير الكتاب إلى أن تلك «الهرطقات» ظهرت فى منطقة الهلال الخصيب شرق البحر المتوسط والتى سادت فيها الثقافة العربية فى العصر المسيحى من قبل ظهور الإسلام بقرون، وأدت لصياغة الأرثوذكسية ذاتها وصيغ قانون الإيمان المتعددة.

    وقد سعت هذه «الهرطقات» لإنشاء لاهوت مسيحى لكنها لم تنجح إلا بعد ظهور الإسلام الذى دعم «الهرطقة النسطورية» و«الهرطقة الأريوسية». ومما يؤكد تواصل المسيحية بالإسلام كما يقول د. يوسف زيدان أن تلك «الهرطقات» ظهرت فى محيط جغرافى محدد بين جماعة بعينها من الناس وهما المحيط والجماعة نفساهما اللذان ظهر فيهما بعد ظهور الإسلام علم الكلام أو علم العقيدة الإسلامية أو علم أصول الدين الإسلامى.. الفارق الوحيد أن المحاولات الأولى ظهرت فى إطار المسيحية قبل ظهور الإسلام، بلغات كانت سائدة فى ذلك الوقت كالسُريانية اليونانية، بينما المحاولات الثانية ظهرت فى إطار الإسلام وكتبت باللغة العربية.

    ونسأل الدكتور يوسف زيدان، لم يصر على مد يده نحو عش الدبابير ولم وضع هذا الكتاب الشائك؟ فيجيب: «هناك مناطق فى التاريخ البشرى الفكرى لاتزال مغيبة وغامضة، بل من الممكن القول إنها ملغومة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، واعتاد الناس أخذ ما ورد لنا من تلك المناطق على علاته بما فيه من مفاهيم ومعان يتم التعامل بها كمسلمات، ولذا أردت مساعدة القارئ الواعى الباحث عن المعرفة، الراغب فى التعرف على حقيقة الدين، وتقديم رؤية تساعد فى التعرف على البحث اللاهوتى والدراسات الكلامية، رغم معرفتى بكراهية البعض مسبقاً لما فعلت».

    «جذور الإشكال.. صفات الله فى التوراة»

    هكذا جاء عنوان الفصل الأول فى اللاهوت العربى، حيث يتناول هذا الجزء العديد من الإشكاليات التى وردت فى التوراة كحقائق، اعترفت بها المسيحية اعترافا كاملا، بينما نظر لها الإسلام بعين التشكك باعتبارها محرفة عن نصها الأصلى.

    ومنها إشكالية «صورة الله». فالتعدد فى تلك الصورة لا يقف عند حد أسماء الله، ومنها «آدوناى، الرب، يهوه، ياهو، إيل، إلوهيم»، ولكنها تمتد إلى طبيعة الله وصفاته، ليظهر الله داعيا للخير والفضائل تارة، وأخرى مقدماً على أفعال الشر والعنف والانتقام، كما فى العبور أو الفصح، حينما نشر الله الرعب فى مصر إرضاءً لشعبه المختار.

    ويستدل د. زيدان على هذا بآية من التوراة جاءت فى صورة خطاب إلهى لليهود فى مصر يأمرهم فيها بأن يذبحوا خرافاً ويضعوا دمها علامة على أبواب بيوتهم، ثم يقول: «فإنى أجتاز فى أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر فى أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاماً بكل آلهة المصريين، أنا الرب ويكون الدم علامة على البيوت التى أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا تكون عليكم ضربة الهلاك حين أضرب مصر».

    هنا يتوقف د. زيدان للتعليق بالقول: «وكأن الرب التوراتى المفترض فيه التعالى عن كل نقص، بحاجة لعلامة بصرية كى يميز بين بيوت أحبائه من اليهود حتى لا يضرهم سهواً بتلك النيران الإلهية الصديقة التى سوف تهلك أهل مصر؟».

    ويتواصل عرض الدكتور زيدان لصفات الله التوراتية التى أظهرت الله فى بعض المواقع غاضباًً غيوراً من أبناء الله المفتونين بالنساء، أو حزيناً نادماً على خلق الإنسان فى الأرض، ثم حزينا نادماً على خسفه الأرض بالإنسان بالطوفان، أو قلقاً لأكل آدم من شجرة المعرفة فبات عارفاً مثل الإله، والله التوراتى يغار ويحقد على البشر ولذا فعندما يراهم يبنون حضارة بابل وبرجها الضخم ويتكلمون لغة واحدة، يغتاظ وينزل عليهم ويقرر بلبلة لسانهم ليتفرقوا فى الأرض ويتحدثوا لغات مختلفة لا يفهمونها، فيكفوا عن بناء المدينة التى تسمى بابل لأن الرب بلبل لسان كل الأرض كما جاء فى سفر التكوين الإصحاح الحادى عشر. ليس هذا فحسب بل تظهر التوراة الإله ضعيفاً يغلب عند مصارعة النبى يعقوب له كى يباركه ويمنحه النبوة بعدما اتخذ فى الصراع صورة بشرية كما فى سفر التكوين.

    لا تقف تحليلات «اللاهوت العربى» عند صفات الله وقدرته فى التوراة، ولكنها تمتد لما هو أعمق منها حين تتناول حقيقة مهمة، مفادها أن ما يطرحه القصص التوراتى لا يقتصر خطورته على ما يطرحه من صفات بشرية يصعب إلحاقها بالذات الإلهية، ولكنها تمتد إلى قلب منظومة القيم الإنسانية التى نادت بها الحضارات البشرية والديانات الرسالية، حيث صار القتل مقبولاً والزنا بالمحارم كما فى قصة النبى لوط مع ابنتيه جائزا.

    ليس هذا فحسب بل إن القصص التوراتى طرح إشكالية ثالثة حين جعل الله تعالى ملتصقاً بالأرض لا فى السماء يعيش فى خيمة قرب الإنسان، ليس على المطلق ولكن الإنسان اليهودى المولود من أم يهودية فقط، لأن الله فى التوراة لا يعبأ بغير اليهود الذين ينظرون لغيرهم من البشر على أنهم «أمميون» ناقصو الأهلية الإنسانية. وهو ما يقول عنه د. زيدان: «بتلك النظرة صار الرب مملوكاً لليهود دون غيرهم من بنى البشر، يتعامل معهم من دون بنى آدم، منهمكاً بحضوره بينهم فى الخيمة الأرضية التى عاشوا بها وهو ما عالجته المسيحية حينما توافقت مع اليهودية فى البداية وقالت إن الله يعيش مع الإنسان فى الأرض، ثم رفعته ثانية إلى السماء حيث الموضع الذى يليق به».

    يذكر كتاب «اللاهوت» أن المسيح فى العقيدة الأرثوذكسية، هو الرب الكامل والإله المتجسد، وهو هو. وهو المصطلح الذى ظهر أثناء المناقشات الحامية بين الكنائس الكبرى قبل ظهور الإسلام، عند مناقشة طبيعة السيد المسيح «يسوع، عيسى، كريستوس، خريستو» ثم ظهر مصطلح «الهو هو» عربياً بعد الإسلام،

    وتوسع المعتزلة فيه حتى صار نظرية كلامية تعالج مشكلة الصفات الإلهية عند المسلمين كما يقول د. زيدان الذى يرى أن الشروح والتأويلات التى قُدمت عبر تاريخ اليهودية من أجل إبقاء القداسة على تلك النصوص التوراتية كانت أبطأ فى الانتقال من اللغة التى كتبت بها التوراة، وهو ما أثر فى الانتباه لخطورة تلك النصوص. ليبقى الإشكال الذى طرحه القصص التوراتى قائماً غير مقبول لدى غير المؤمنين به حتى مجىء المسيحية.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 181
    نقاط: 510
    تاريخ التسجيل: 06/03/2010

    رد: عرض كتاب اللاهوت العربى واصول العنف الدينى

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء مارس 10, 2010 11:13 pm

    مع مواصلة الخوض فى أوراق فصول كتاب «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» لكاتبه الدكتور يوسف زيدان رئيس مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، يتعمق لديك الإحساس بإشكالية ما يبثه من معلومات على صفحات مؤلفه، لا لكونها المرة الأولى التى تصطدم فيها بنوعية الحقائق التى يتضمنها الكتاب، ولكن أيضاً لما تطرحه من أفكار جدلية تجبرك على التفكير فيها بحرص شديد فتفتح أمامك آفاقا جديدة من الممكن أن يكون تعاملك معها فى السابق كمسلمات، إلا أن قدراً من التسامح وآخر من الحياد وثالث من الرغبة فى الفهم يمكنك من التفكير فيما يطرحه من أفكار بعقلانية دون أى التزام منك بتغيير ما تؤمن به سواء كنت مسلماً أو مسيحياً أو حتى يهودياً، وإن لم تقتنع بما جاء فى الكتاب فحاول أن تبحث عن إجابات لما يثيره من تساؤلات، تزداد مع بدء الفصل الثانى للكتاب.

    والسؤال: هل تعتبر المسيحية امتداداً لليهودية، أم أنها ديانة مختلفة عنها فى الشكل والجوهر؟ هذا ما يجيب عنه دكتور زيدان منذ بداية الفصل الثانى، حين يذكر أن المسيحية طرحت نفسها فى البدايات كامتداد للديانة اليهودية، ثم تطورت بمرور الوقت لتقدم نفسها للعالم على أساس أنها حركة إصلاح وتصحيح عام لليهودية.

    ويسرد الكتاب كيف انتظر اليهود ذلك «الماشيح» أو المسيح الذى سيتحقق مع قدومه وعد الرب لنبيه إبراهيم بامتلاك شعبه المختار وأبنائه المفضلين للأرض، من نيل مصر إلى نهر الفرات، ومن شدة تلهف اليهود على ظهور هذا المسيح الذى كانوا يحلمون بأن يخلصهم من موجات القهر والعنف التى تعرضوا لها، كثر أدعياء النبوة بينهم، وهو ما دعا النبى «ميخا»، أحد الأنبياء الصغار الاثنى عشر الذين أختتم بأسفارهم العهد القديم، إلى القول فى سفره الحزين: «لا تأتمنوا صاحباً، ولا تثقوا بصديق، احفظ أبواب فمك عن المضجعة فى حضنك، لأن الابن مستهين بالأب، والبنت قائمة على أمها، والكنه على حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته».

    وهكذا يجىء يسوع المسيح بعد طول انتظار من اليهود ولكنهم لم يقدسوه كما كان متوقعاً، بل تعاملوا معه بذات الأسلوب الذى عرفوه مع من سبقه من أنبياء، حتى إن الروايات المسيحية المتأخرة تحكى أن أحبار اليهود اختبروا فى المعبد الكبير بأورشليم صحة دعوة المسيح، عبر التأكد من صحة نسب أمه مريم اليهودى، ووالده يوسف النجار الذى تزوج أمه بعد ميلاده، وأدركوا أنهم أمام معجزة إلهية، وبعدها حاولوا صرفه عن دعوته فلم ينصرف، فهددوه فلم يهتد ولم يسمع لهم، فسلموه للرومان ليصلبوه.

    «لم أرسل إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة».. هكذا قال المسيح عيسى بن مريم لتلاميذه عند بدء دعوته، وهى عبارة يستدل بها دكتور زيدان على أن المسيحية كانت امتداداً للديانة اليهودية، بينما قام تلاميذه المعروفون فى المسيحية بالرسل، وفى الإسلام «بالحواريين» بنشر رسالته للأمم كلها مبشرين بخلاص الإنسان، بينما صعد المسيح مرة أخرى للسماء ليزداد الجدل حوله وحول طبيعته.. هل هو البشر النبى ابن الإنسان الذى جاء بالبشارة، أم هو الله بذاته نزل إلى الأرض حيناً ثم عاد ثانية للسماء؟

    قبل الخوض فى تلك المسألة الشائكة وعرض وجهتى النظر التاريخيتين فيها، يشير دكتور زيدان إلى خلاف آخر نشأ بين المؤرخين الكنائسيين حول توقيت ظهور الأناجيل، وترتيب ظهورها زمنياً، مؤكداً أن أقدم مجموع للعهدين القديم والجديد يعود زمن كتابته إلى منتصف القرن الرابع الميلادى، وهو محفوظ الآن فى الفاتيكان ويعرف باسم لاتينى هو «كودكس فاتيكانو»، إلا أن الحقيقة الواضحة لمؤلف (اللاهوت) هى أن كثرة الأناجيل قبل اعتماد الأربعة الشهيرة منها «متى، مرقص، لوقا، ويوحنا»، وما تضمنته من تعبيرات مجازية، كانت ذات تأثير مباشر وقوى فى نشوب الجدل حول ماهية وطبيعة السيد المسيح، وبمعنى آخر بشريته «الناسوت، وربوبيته (اللاهوت)»، إلا أنه وبعد الاعتراف بالمسيحية كواحدة من ديانات الإمبراطورية الرومانية فى مرسوم ميلانو عام 313 ميلادية، تم إرساء نظم وتحديد اعتبارات تكفل الحفاظ على تلك الديانة، وكان ذلك فى مجمع «نيقية» المسكونى فى القرن الرابع الميلادى، واجتمع فيه 318 أسقفا من أنحاء المعمورة، قرروا فيه ما عرف باسم «قانون الإيمان» الذى تعدل أكثر من مرة لمواجهة ما عرف باسم «الهرطقات»،

    وكانت صيغته الأولى تنص على: «يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من ألآب قبل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود من غير مخلوق، مساو للأب فى الجوهر، الذى به كان كل شىء، الذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل فلاحنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى، وتألم ودفن وقام فى اليوم الثالث».

    وتبع ذلك الإعلان لقانون الإيمان بعدة سنوات، تشكيل لجنة دينية فى العام 331 ميلادية، مهمتها التفتيش عن وإعدام الأناجيل الكثيرة غير الأربعة المشهورة السابق ذكرها، وقد تم حفظها والاعتناء بها وتداولها على نطاق واسع مع الرسائل المسماة أعمال الرسل، وهو ما عرف بالعهد الجديد، تمييزاً له عن العهد القديم، ليكونا فى مجموعهما «الكتاب المقدس».

    ويقول دكتور يوسف زيدان: «المتأمل فى قانون الإيمان وإنجيل متى، يدرك أن الإيمان المسيحى ينطلق من المسيح الذى ترتبط الديانة كلها به، ومنه اشتقت اسمها فى كل اللغات، حتى إننا نجد أن إنجيل متى يبدأ بذكر ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم، ونسبه ومعجزة مولده وطفولته وهروب يوسف النجار به إلى مصر هو وأمه، من بطش هيردوس ملك اليهودية الباحث عن الصبى ليهلكه، رغم أن المخطوطات تؤكد موت تلك الشخصية قبل ميلاد المسيح بأربع سنوات. ثم يواصل الحديث عن معجزات المسيح وأقواله وأحكامه التى وضعها للناس ومكر اليهود به دون أية إشارة للإلهيات التى هى أصل كل دين، وكأن المسألة برمتها هى (المسيح) لا (الله) أو كأنه (هو هو).

    لقد صار المسيح هو الديانة نفسها، ومن الإقرار بإلوهيته، يُستهل قانون الإيمان الأول، وشيئاً فشيئاً أصبح المسيح معادلاً موضوعياً لله، ثم صار فى اجتهادات الآباء الأوائل الأرثوذكس الله الذى غاب وناب عنه المسيح، هنا أمسى كل ما هو إلهى متعلقاً بالمسيح، لتختفى إشكالية صفات الله التى طرحتها اليهودية، وليصبح الإيمان القويم هو الإيمان بالمسيح الذى هو الله، وبات التشكيك فى إلوهيته لا يعنى سوى شىء واحد هو الكفر، أو الهرطقة بالتعبير المسيحى».

    ما زلنا نسير فى تلك المناطق الملغومة، فى تاريخ الديانات البشرية كما يقول دكتور زيدان، وإن كنتَ استشعرتَ كقارئ بالمفاجأة لما سبق طرحه، فانتظر فالبقية المقبلة تحوى الكثير من الأفكار التفسيرية لقصة الجدل الذى نشب بين الكنائس حول طبيعة المسيح عليه السلام. حيث يبدأ طرح تلك الأفكار فى الفصل الثالث الذى يحمل عنوان «النبوة والبنوة» وهو الفصل الذى يبدأ بشرح الفروق بين الكنائس الغربية، ويقصد بها غرب فلسطين التى انتشرت من خلالها المسيحية، أى مصر و اليونان، والكنائس التى كانت تقع شرق فلسطين فى الجزيرة العربية والهلال الخصيب، ليبرهن على صحة المقولة الخاصة بتأثر الديانات بما سبقها من تراث، بالإضافة إلى البيئة التى بزغت فيها.

    ويبدأ دكتور زيدان بالمنطقة الغربية مثل مصر واليونان والبحر المتوسط، حيث الفلاسفة والعلوم والديانات المتعددة التى سرعان ما اختفت مع انتشار المسيحية، ليطلق عليها وصف «وثنية»، ويسود منطق الكنيسة القبطية الخاص بإلوهية المسيح، والسبب كما يطرحه دكتور زيدان، هو أن مصر واليونان بلاد عايشت الكثير من الديانات التى كانت لا ترى إشكالية فى الجمع بين الربوبية والبشرية، بين اللاهوت والناسوت، ولا ترى أزمة فى تأليه الإنسان وتأنيس الإله، فالملك الفرعون فى مصر القديمة هو ابن الشمس أو ابن الإله، القابل للتأليه هو الآخر،

    كما حدث مع الإسكندر الأكبر عندما زار معبد آمون بواحة سيوة فأعلنه الكهنة هناك إلهاً، إلى جانب أسطورة إيزيس التى أنجبت حورس الإله من أوزوريس من دون معاشرة بينهما، كما نجد فى حكايات الإلياذة والأوديسة الكثير من القصص عن تلاحم البشر بالآلهة، ومعاشرة آلهة جبال الأوليمب، خاصة كبيرهم زيوس، للنساء ليلدن أنصاف آلهة، وهكذا نجد أنه من الطبيعى أن تتأثر رؤية الكنائس فى تلك المناطق حول طبيعة السيد المسيح بما لديها من تراث عاشوا يؤمنون به لسنوات طويلة قبل انتشار المسيحية.

    أما فى منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية فالأمر مختلف، كما يقول دكتور زيدان، فالديانات فى تلك المنطقة كانت تعلى من قدر الآلهة، وتتصورهم مفارقين للعالم البشرى، رغم أنهم صوروها فى هيئة أصنام تعبر عن صورة الآلهة.. كانت المسافة بين الإنسان والله شاسعة فى فكر ديانات شبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب، وهو ما يتضح على سبيل المثال فى صورة الآلهة التى صورتها ملحمة «الأنو ماإيليش» السومرية،

    وكما حدث فى الملحمة البابلية «جلجاميش» وأكدت أن الإنسان بشر، مقدر عليه الفناء، بينما لا بقاء للأبد سوى للآلهة فقط، ليس هذا وحسب بل إن ثقافة تلك المجتمعات كانت تحتفى دوماً بالحكماء من البشر، وبالكهنة الملهمين من الآلهة وبالأنبياء، وهى شخصيات نظر لها أهل تلك المنطقة على أنهم أدلاء يعرفونهم بالآلهة، ولكنهم لم يتعاملوا معهم بصفات إلهية،

    ويشير دكتور زيدان فى تلك الجزئية إلى أن النزوح العربى لتلك المناطق بدأ منذ أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد، مؤكداً أن العقلية العربية مهما بلغ الاختلاف حولها، إلا أن الواقع والتاريخ يؤكدان أنها عقلية براجماتية تعنى بالعقل ولا تنزع للتفلسف النظرى العميق، ولا تفهم مسألة التداخل بين البشر والآلهة كما فى مصر واليونان، ليس هذا وحسب، كما يعلق دكتور زيدان فيقول: «لم تُعنَ الثقافة العربية بتلك الفروق الواسعة الفاصلة بين البشر والآلهة وحسب، ولكنها فرقت وبشكل حاسم بين ثلاثة معان محددة هى (النبوة، والربوبية، والإلوهية)، موضحة أنه لا يجوز الجمع بينهم أو التداخل،

    فالنبوة على إطلاقها تكون للبشر، والربوبية مشتركة بحسب إطلاقها معرفة فى حق الخالق أو مضافة كصفة للمخلوق، بينما الألوهية لله وحده، وإلى جانب اللغة فإن الثقافة العربية اهتمت وبشدة بقصة الأنساب، وأعلنت قانون أن الولد للفراش، لذلك فالعقلية العربية تقبلت أن تلد العذراء المسيح دون زواج، على أساس أنها معجزة، والمعجزات جزء من النبوة، لكنها لم تستسغ أن يترتب على ذلك أن يكون المسيح هو ابن الله، اللهم إلا على سبيل المجاز، كما يقال إن اليهود هم أبناء الله، أما التطرف فى جعل الإنسان إلهاً فلم يكن مقبولاً لدى تلك العقلية وبخاصة أن هذا الإنسان تعذب وصلب وقتل مصلوباً، هذا شىء ترفضه تلك العقلية التى اعتادت أن تردد الله غالب».

    ينتقل بك الكتاب بعد ذلك إلى تفاصيل مفهوم كل جانب عن طبيعة السيد المسيح، ويؤكد الكاتب أنه على الرغم من أن الإيمان الأرثوذكسى اعتبر كل من يقول بغير ألوهية المسيح كافراً، إلا أنه لم يرد بالأناجيل كما هو مكتوب أن المسيح استنكر من اعتبره إنساناً نبياً، وهو ما أشار له الأب متى المسكين، أحد أجلاء آباء الكنيسة القبطية المعاصرة، فى شرحه لإنجيل مرقس حيث قال ما نصه: «المسيح سأل تلاميذه من يقول الناس إنى أنا؟ فلما قالوا: واحد من الأنبياء. لم ينكر على الناس قولهم، ولكن التفت لتلاميذه وهم المؤمنون به وسألهم: وأنتم من تقولون؟ فقال بطرس: إنك هو المسيح ابن الله الحى، تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب ورب السماء لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال»، ورغم ذلك فإن جوهرية ألوهية المسيح لدى الأقباط ظهرت واضحة فى رسالة البابا القبطى الرابع والعشرين «كيرلس عامود الدين» الذى كان كبيرا لأساقفة مدينة الإسكندرية وعموم مصر والحبشة وليبيا منذ عام 412- 444 ميلادية،

    وهى الرسالة المعروفة باسم «أناثيميا» وهى كلمة يونانية تعنى اللعنات وكتبها لدحض عقيدة نسطور عندما شكك فى كون مريم العذراء هى أم الإله، وقال فيها: «إن الكلمة اتحد بالجسد أقنومياً، فإننا نسجد لابن واحد الرب يسوع المسيح، نحن لا نجزئ ولا نفصل الإنسان عن الله ولا نقول إنهما متحدان الواحد بالآخر، بل نعترف بمسيح واحد فقط الكلمة من الله الآب مع جسده الخاص.. المسيح واحد هو ابن ورب فهو إله الكل ورب الجميع، لا هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه.. لأن الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب.. ومن لا يعترف أن عمانوئيل (يسوع المسيح هو الله بالحقيقة فليكن محروماً)».

    ويعلق دكتور زيدان على كل ما سبق بالقول: «لكل ما سبق نقول إن ما يسمى فى التراث المسيحى باللاهوت إنما هو لاهوت لا يتعلق بالله ذاته بل بالمسيح الذى صار الله حين صارت الكلمة جسداً بحسب الفهم الأرثوذكسى لطبيعة يسوع، وهو الفهم الذى سيطر على تاريخ الكنيسة القبطية فظلت تؤكد عقيدتها فى لاهوت المسيح ليومنا هذا. حتى الهرطقات لم تكن تتناول فى مضمونها الذات أو الصفات الإلهية ولا طبيعة الله ولا كنهه، لأن تلك الأمور لم تكن هى موضع الإيمان أو الكفر اللذين ارتبطا فى الأساس بالمسيح أو الأقنوم الثانى فى ثالوث الآب والابن والروح القدس».

    وهكذا يبدأ دكتور زيدان فصله الرابع فى كتابه اللاهوت العربى الذى يؤكد فيه أن الأرثوذكسية كانت ترى فى الهرطقات خطراً شديداً على المسيحية أكثر من اليهودية والوثنية اللتين نجحت فى القضاء عليهما تدريجيا ومحاصرتهما من خلال كتابات الآباء فى الكنيسة، ومن خلال بعض المناوشات والمعارك المحدودة معهم فى روما والإسكندرية وأنطاكية وبيزنطة، بينما كان الهراطقة يشعرون فى قرارة أنفسهم بأنهم مؤمنون أتقياء، وأنهم لم يخرجوا بأفكارهم عن حظيرة الإيمان وانهم يقولون الحق الذى استخلصوه من النصوص الإنجيلية.

    بعد ذلك يستعرض دكتور زيدان فى كتابه أشهر المهرطقين، وفى مقدمتهم «إبيون» الذى وصفه بأنه رجل غامض عاش فى الأردن ونسبت له «الإبيونية» التى هى جماعة يهودية الأصل كانت تؤمن بأن يسوع المسيح هو «الماشيح» وهو المخلص أو المهدى اليهودى المنتظر، وبالتالى فهو نبى كغيره من الأنبياء،

    ثم ذكر «بولس السميساطى» الأسقف الأنطاكى وعاش فى القرن الثالث الميلادى تحت حماية زنوبيا ملكة تدمر العربية، وكانت أفكاره تتمحور حول نقطة وحيدة مفادها أن يسوع المسيح بشر مخلوق ولا ألوهية له، ثم يأتى القسيس الأنطاكى الخدمة، والشامى الثقافة «لوقيانوس»، فى قائمة المهرطقين وقد استشهد فى عام 312 ميلادية وتدور هرطقته حول حقيقة أن الله واحد لا مساوى له، وأن كل ما هو خارج عنه تعالى فهو مخلوق، ولذا فالكلمة مخلوق والحكمة مخلوق، ولأن يسوع ابن الله ابن الإنسان جاع وعطش واضطرب لذا فهو إنسان حقيقى عرّفنا بالله.

    وبعد هؤلاء يجىء ذكر «آريوس» الذى تعده الأرثوذكسية الطامة الكبرى فى الهرطقات كما يقول دكتور زيدان، حيث ينظر الأرثوذكس الأقباط له باعتباره عدو المسيحية الأول، ليس هذا وحسب بل كل من يؤمن بما قاله أيضاً ومن هؤلاء الأسقف «جورجيوس الكبادوكى» الذى أرسلته العاصمة الرومانية ليكون أسقفاً للمصريين، فثاروا عليه فى الإسكندرية واعترضوا طريقه فى شوارعها وقتلوه ومثلوا بجثته لمجرد أنه كان يميل للأفكار الآريوسية التى حرق وأعدم كل ما دل عليها من أوراق فلم يبق منها أثر، وكانت عقيدته تدور حول أن الله خلق المسيح الابن من العدم، لم يكن قبله الابن موجوداً ولا كان الله قد صار بعد «آب» لأنه صار كذلك حين خلق الابن، وبالتالى فالابن لا يساوى الله فى الجوهر، ويسوع هو المسيح وليس الحكمة ولا الكلمة «اللوجوس» لأنهما صفتان إلهيتان لا تتوقفان عند مخلوق، وإلا صار الله عرضة للتغيير مثل الخلائق.

    ثم يتوقف دكتور زيدان عن سرد قائمة المهرطقين ليعلق على بعض ما نادوا به من أفكار، يقول عنها: «مع أن آريوس وسابقيه ولاحقيه الذين أنكروا ألوهية المسيح بهدف الحفاظ على وحدة وتعالى الذات الإلهية، وتأكيد حرية الإرادة الإنسانية بعيداً عن الوساطة الكهنوتية، كانت لديهم أسانيد كثيرة مستقاة مباشرة من الكتاب المقدس الذى وصف فيه المسيح بابن الإنسان،

    إلا أن كنيسة الإسكندرية التى تبعتها فى زمن آريوس معظم الكنائس الأخرى، شنت على آريوس حربا شعواء دفاعاً عن عقيدتها، بدأت بانعقاد مجمع مسكونى فى نيقية سنة 325 ميلادية تم فيها حرم آريوس وعزله ونفيه إلى دير فى إسبانيا. ورغم ذلك لم تهدأ الأمور فى الشام فأرسل الإمبراطور قسطنطين الكبير إلى آريوس يدعوه للقسطنطينية للتوفيق بينه وبين أسقف الإسكندرية (إسكندر) ليموت آريوس فجأة عند أطراف القسطنطينية عام 336 ميلادية، مما دعا البعض للقول إنه مات مسموماً».

    ويواصل دكتور زيدان قائمة المهرطقين الذين حاربتهم الكنيسة الأرثوذكسية ومنهم المفكر الكنسى «مقدونيوس»، وأسقف اللاذقية «أبوليناريوس»، و«نسطور» الذى اعتلى كرسى الأسقفية فى القسطنطينية سنة 428 ميلادية، ووزع منشوراً على الناس يحظر عليهم تسمية مريم العذراء بلفظ «ثيو تو كوس»، أى والدة الإله، وذلك لأن الإنسان الذى هو مريم لا يمكن أن يلد الإله.

    ويخصص دكتور زيدان جزءاً من أوراق كتابه لسرد قصة الصراع بين الأسقف السكندرى «كيرلس» و«نسطور» الذى يرى دكتور زيدان أنه لم يقتصر وحسب على طبيعة المسيح البشرية أو الألوهية، لكنه كان صراعاً سعت فيه كنيسة الإسكندرية لتأكيد سلطتها على كنائس العالم، كان صراعاً بين الإسكندرية والقسطنطينية على المكانة والترتيب الهرمى للكنائس الأربع الكبرى آنذاك.

    ويقول دكتور زيدان: «هكذا ظل العالم المسيحى حتى ظهور الإسلام، حيث كان هناك شعور يقينى أنه لابد من إيجاد حل لاختلال واختلاف العقائد المسيحية ما بين الصيغ المتعددة لقانون الإيمان، ورسائل الحرومات، وبنود اللعنات التى يصبها الكل فوق رأس الكل. وفى هذه اللحظة المسيحية الحرجة نزل القرآن».

    صوت الهمس

    عدد المساهمات: 52
    نقاط: 104
    تاريخ التسجيل: 07/03/2010
    العمر: 35

    رد: عرض كتاب اللاهوت العربى واصول العنف الدينى

    مُساهمة من طرف صوت الهمس في الخميس مارس 18, 2010 4:53 pm

    روعة ادمن ماخطت يداك تسلم ومزيدا من التقدم والأزدهاااار

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أغسطس 29, 2014 2:00 pm